الصحابي جابان الكُردي (رض) سفير الكُرد عند النبي ﷺ

 

يُعدّ الصحابي جابان الكُردي أبو ميمون (رض) من أقدم الشخصيات الكُردية التي ارتبط اسمها بالعهد النبوي، فقد ذكرته كتب الحديث والتراجم في عداد الصحابة، ووصفته بالكُردي دالاً أنه من القومية الكُردية، وأثبتت صلته بالنبي ﷺ وسماعه منه، كما عُرف بأنه والد التابعي ميمون الكُردي الذي حمل شيئًا من حديث أبيه وروايته، ومن هنا تبرز أهمية جابان في تاريخ الصلة المبكرة بين الكُرد والإسلام؛ إذ تمثل شخصيته شاهدًا على أن الإسلام وصل إلى بعض أبناء الشعوب غير العربية في حياة النبي ﷺ، قبل اتساع الفتوحات الإسلامية في العراق وبلاد الجبال والجزيرة.

والمعلومات التي حفظتها المصادر عن جابان قليلة، فلم يصلنا خبر مفصل عن مولده ونشأته الأولى وأسرته أو عن الطريق الذي سلكه من بلاد الكُرد إلى الجزيرة العربية، ولكن الثابت أنه عُرف باسم جابان، ونُسب إلى الكُرد، واشتهر بكنية أبي ميمون، نسبة إلى ابنه ميمون الكُردي، وقد وردت له كنية أخرى في بعض الأقوال، إلا أن أبا ميمون هي الأشهر في كتب التراجم.

وكان جابان الكردي (رض) ممن أدركوا رسول الله ﷺ وسمعوا منه، وتذكر الروايات أنه سمع منه أكثر من مرة، مما يدل على صلته بالمجتمع النبوي وعدم اقتصار علاقته بالنبي ﷺ على لقاء عابر، وقد حفظت له الرواية حديثًا في حقوق الناس والوفاء بالعهود، يتعلق بالزواج والدين والمسائل الاجتماعية؛ ففيه التحذير من الرجل الذي يتزوج المرأة وهو لا يريد أداء مهرها، ومن يستدين دينًا وهو لا يريد أداءه، ويكشف هذا الحديث عن عناية السنة النبوية بتقرير الأمانة والوفاء وحفظ الحقوق، سواء في شؤون الأسرة أم في المعاملات المالية، وكل هذه الأحاديث ثابتة في كتب السنن والحديث النبوي.

وتبرز في سيرة جابان خصلة الورع في الرواية؛ فقد نقل ابنه ميمون أن أباه كان يتحرج من الإكثار من الحديث عن رسول الله ﷺ خشية أن يزيد في الكلام أو ينقص منه، وهذا الموقف يكشف عن شعوره بعظم مسؤولية النقل عن النبي ﷺ، وعن منهج الصحابة في التثبت والتحرز من الخطأ في السنة، فقلة ما روي عن جابان لا ينبغي أن تُفهم على أنها دليل على ضعف صلته بالنبي ﷺ ، إذ قد تكون نتيجة طبيعية لشدة احتياطه وورعه.

ويرتبط هذا المعنى بما اشتهر من التحذير النبوي من الكذب على رسول الله ﷺ ، وهو ما جعل الصحابة يشعرون بثقل مسؤولية الرواية، فكان بعضهم يقلل الحديث مع شدة حفظه له، خشية أن ينسب إلى النبي ﷺ ما لم يقله، ومن هنا يمثل جابان نموذجًا مبكرًا للأمانة العلمية، إذ لم تكن كثرة الرواية غاية عنده، وإنما كان التثبت وصيانة السنة مقدمين على الإكثار.

وكان ميمون الكُردي أهم حلقة حفظت لنا شيئًا من تراث أبيه، فهو التابعي الذي روى عنه، ونقل موقفه من الحديث، وبقي من خلاله اتصال جابان بسلسلة الرواية الإسلامية، وقد عُرف ميمون في البصرة، وهي إحدى أهم الحواضر العلمية في صدر الإسلام، واتصل بالتابعين والمحدثين، وانتقل عبره أثر أبيه من جيل الصحابة إلى جيل التابعين ثم إلى من بعدهم.

وتكشف علاقة جابان بميمون عن صورة جميلة لانتقال العلم داخل الأسرة؛ فقد لم يكن ميمون ابنًا لأبيه فحسب، بل كان حاملًا لما حفظه من علمه، وواسطة في بقاء اسم جابان حاضرًا في كتب الحديث والرجال، أما تحديد جميع من أخذ عن جابان مباشرة، فيحتاج إلى دراسة أسانيد الروايات حديثًا حديثًا؛ لأن بعض القوائم قد تخلط بين من روى عن جابان ومن روى عن ابنه ميمون.

ولا تحفظ المصادر الموثوقة تفاصيل دقيقة عن كيفية وصول جابان إلى مكة أو المدينة، وربما جاء في رحلة تجارية أو أنه عاش في إحدى المدن العربية قبل إسلامه، وقد طرح بعض الباحثين هذه الاحتمالات بالنظر إلى طرق التجارة التي كانت تصل المشرق بالعراق والجزيرة والشام، لكن ذلك لا يتجاوز دائرة الاحتمال.

كما اشتهرت في بعض الكتابات الحديثة رواية تفيد بأن وفدًا من الكُرد قدم إلى المدينة برئاسة جابان، وأسلم أفراده بين يدي النبي ﷺ ، غير أن تفاصيل هذه الرواية من حيث عدد أفراد الوفد وظروف الرحلة ومدتها تحتاج إلى مزيد من النقد والتثبت، والذي يمكن الاعتماد عليه هو أصل الصلة النبوية: أن جابان أدرك رسول الله ﷺ ، وأسلم، وسمع منه، وكان من الصحابة.

وتحمل هذه الصلة دلالة مهمة في تاريخ الإسلام؛ إذ تكشف أن الاتصال بين بعض أبناء البيئة الكُردية والإسلام بدأ في صورة فردية قبل الفتوحات الكبرى، ولا يعني ذلك أن الكُرد جميعًا دخلوا الإسلام في العصر النبوي، ولا أن الإسلام كان قد انتشر في مناطق كردستان كافة، وإنما يدل على وصول الدعوة إلى أفراد بل جماعات من تلك البيئة في وقت مبكر.

وتمثل نسبة جابان إلى الكُرد أهمية خاصة في دراسة التاريخ الإسلامي الكُردي؛ إذ إن المصادر الإسلامية القديمة حفظت أصول بعض الشخصيات عندما كانت معروفة، كما حفظت نسب سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي وغيرهم، ومن هنا فإن وجود جابان في كتب الصحابة والحديث يفتح بابًا مهمًا لإعادة قراءة المصادر الإسلامية العامة بحثًا عن الشخصيات الكُردية المبكرة، بدل الاقتصار على الكتب التي تحمل عناوين خاصة بتاريخ الكُرد.

ويمكن النظر إلى جابان بوصفه ممثلًا سياسيًا لجميع الكُرد، واعتباره شخصًا كرديًا دخل في المجتمع الإسلامي الأول، فاجتمع في شخصه الانتماء الكُردي والصحبة النبوية، وهذا ينسجم مع طبيعة المجتمع الإسلامي الذي ضم العرب والفرس والروم والحبشة والكُرد وغيرهم، وجعل الإيمان والصحبة أساس الانتماء إلى الجماعة المسلمة، دون أن يكون اختلاف الأصل أو اللغة مانعًا من الأخوة.

ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار جابان رمزًا مبكرًا للاندماج الحضاري للكُرد في الإسلام، لا بمعنى أنه أسس وحده هذا المسار، وإنما لأنه يمثل أقدم حلقة معروفة في سلسلة طويلة من التفاعل بين الكُرد والإسلام.

وينبغي التفريق بين مرحلة الاتصال الفردي بالدعوة النبوية وبين مرحلة الفتوحات التي دخلت فيها مناطق كردستان وبلاد الجبال والجزيرة في نطاق الدولة الإسلامية، فالمناطق الكُردية لم تكن في ذلك العصر دولة واحدة ذات حدود سياسية موحدة، وإنما توزعت في أقاليم مختلفة، ودخلت مناطقها في الدولة الإسلامية على مراحل، بالصلح تارة وبالقتال تارة أخرى، ثم اتسع انتشار الإسلام فيها بالتعليم والاستقرار والدعوة عبر عقود وقرون.

وقد ربط بعض الباحثين جابان بفتوحات العراق، وبخاصة تكريت والموصل وكردستان، كما احتملوا مشاركته في بعض أعمال الجهاد، إلا أن هذه الأخبار تحتاج إلى نصوص تاريخية صريحة؛ فلا توجد، فيما ترويه المادة المتداولة، رواية قوية تحدد مشاركته في معركة معينة أو تثبت استشهاده في موضع محدد، ولذلك فإن مشاركته في فتح تكريت أو الموصل تبقى احتمالًا يحتاج إلى دليل.

وكذلك لا يصح الجزم بأنه استشهد في تكريت، أو أنه بقي في الموصل أو مناطق كردستان، أو أنه عاد إلى المدينة أو انتقل إلى البصرة، فزمان وفاته ومكانها غير معروفين على وجه اليقين، وكذلك لا يثبت قبر معين منسوب إليه بمجرد التشابه في الأسماء.

وتكمن قيمة جابان في أنه يجمع بين شرف الصحبة والانتماء الكُردي والاتصال المباشر بالنبي ﷺ والأمانة في نقل السنة، وقصته تقدم شاهدًا مبكرًا على عالمية الرسالة الإسلامية، وعلى أن المجتمع النبوي لم يكن مقصورًا على العرب، بل احتضن المسلمين من شعوب وأصول متعددة، فأصبح جابان جزءًا من ذلك المجتمع مع احتفاظه بنسبته الكُردية.

ويمكن استحضار سيرة جابان بالقيم التي تمثلها سيرته: طلب الحق، والصحبة، والتثبت، والورع، وحفظ العلم، والوفاء بالحقوق، كما أن قصته تعلم الباحث أن نقص المادة التاريخية لا يبرر ملء الفراغات بالخيال، وأن قيمة الشخصية التاريخية لا تحتاج إلى روايات غير ثابتة.

ومن هذه الناحية فإن جابان يمثل بداية مبكرة جدًا في مسار طويل من المشاركة الكُردية في الحضارة الإسلامية؛ فقد جاءت بعده أجيال من العلماء والمحدثين والفقهاء والقضاة والأدباء والقادة الكُرد، وبرزت مدارس علمية ومراكز حضارية في شهرزور والجزيرة وأربيل وديار بكر وغيرها، ثم ظهرت شخصيات كبرى مثل ابن الصلاح الشهرزوري وابن الأثير الجزري وابن خلكان الإربلي، وصولًا إلى صلاح الدين الأيوبي الذي يمثل مرحلة مختلفة تمامًا من الحضور الكُردي السياسي والعسكري والحضاري في العالم الإسلامي.

وهكذا فإن جابان يعد حلقة مبكرة جدًا في سلسلة الاتصال الكُردي بالإسلام؛ فجابان يمثل مرحلة الصحبة والاتصال الفردي بالدعوة النبوية، ثم جاءت مرحلة الفتوحات، ثم الاستقرار والتعليم وانتشار الثقافة الإسلامية، ثم نشأت المدارس العلمية والمؤسسات السياسية والحضارية التي أسهم فيها الكُرد عبر القرون.

وقد أفردتُ للصحابي جابان الكُردي (رض) سيرةً مستقلةً، بعنوان: (سيرة الصحابي جابان الكردي وابنه التابعي ميمون ورواياتهما)، تناولتُ فيها حياته وأثره ومكانته بالتفصيل، وأبرزتُ ما تمثله سيرته من شاهدٍ مبكر على صلة الكُرد بالإسلام وحضورهم في تاريخ الدعوة. وقد لقي الكتاب بحمد الله قبولًا واسعًا، فطُبع باللغة العربية خمس طبعات، ثم تُرجم إلى الكُردية والفارسية والتركية، وطُبع بكل لغة منها طبعة، وكان له رواجٌ طيب وانتشارٌ ملحوظ، مما يعكس اهتمام القرّاء والباحثين بهذه الشخصية وبجذور الحضور الكُردي في التاريخ الإسلامي.

رحم الله الصحابي جابان الكُردي، ورضي عنه، وجزى ابنه ميمونًا خير الجزاء على حفظ ما وصل إليه من تراث أبيه ونقله إلى من بعده (1).

…………

([1]) الإصابة في تمييز الصحابة: 1/429، وأسد الغابة في معرفة الصحابة: 3/269، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم الأصفهاني: 6/7101، وتهذيب الكمال في أسماء الرجال: 29/204، وتاريخ بغداد للخطيب: 11/17، وتذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال للذهبي، حرف الجيم: 2/37، وإكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال: 3/121، وتجريد أسماء الصحابة للذهبي: 1/71، والطبقات الكبرى لابن سعد: 7/118.

نوێ

بابەتی پێشنیاركراو

كوردستان بين الأصالة والمعاصرة.. الهوية الإسلامية وتحديات الولاء للغرب