بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى: ]وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[ (آل عمران: 104).
في ذكرى عزيزة من ذكريات العلم والدعوة والوطن، ووفاءً لمسيرة مباركة امتدت ستةً وخمسين عامًا، نستذكر اليوم تأسيس اتحاد علماء الدين الإسلامي في كردستان، هذا الصرح العلمي والدعوي والاجتماعي الذي نشأ ليجمع كلمة العلماء، وينظم جهودهم، ويحمل رسالة الإسلام في بعدها الإيماني والتربوي والأخلاقي والوطني، ويكون قريبًا من قضايا الناس وآمالهم وآلامهم.
إن هذه الذكرى ليست مجرد مناسبة زمنية نعود فيها إلى تاريخ التأسيس، ولا محطة احتفالية نعدد فيها سنوات مضت، بل هي وقفة وفاء وتقويم وتجديد للعهد؛ وفاءٌ للعلماء والمشايخ الذين حملوا أمانة الدين في ظروف صعبة، وتقويمٌ لمسيرة مؤسسة كان لها حضورها في حياة المجتمع، وتجديدٌ للعزم على مواصلة طريق العلم والإصلاح والوحدة وخدمة الوطن.
وبهذه المناسبة المباركة، أتقدم، باسمي وباسم فرع الموصل لاتحاد علماء الدين الإسلامي في كردستان، بأصدق التهاني وأخلص التبريكات إلى الإخوة في المكتب التنفيذي لاتحاد علماء الدين الإسلامي في كردستان، وإلى فروعه كافة، وإلى علمائنا ومشايخنا وأساتذتنا وطلبة العلم وأعضائه ومحبيه، سائلًا الله تعالى أن يبارك جهودهم، ويخلص نياتهم، ويسدد خطاهم، ويجمع كلمتهم على الحق والخير، ويجعل الاتحاد منارةً للعلم والهداية، وميدانًا للإصلاح، وجسرًا للتآخي، وخادمًا أمينًا للدين والمجتمع والوطن.
تأسس الاتحاد في 21/9/1970، على يد كوكبة مباركة من خيرة علماء الكرد في كردستان، وبتوجيه مباشر من الزعيم المناضل مصطفى البارزاني رحمه الله، في مرحلة تاريخية دقيقة لم تكن فيها مسيرة العلم والدعوة والإصلاح طريقًا ميسورًا، بل كانت تتطلب وعيًا راسخًا، وإرادة صادقة، وشعورًا عميقًا بالمسؤولية تجاه الدين والإنسان والوطن، وقد جاء تأسيس الاتحاد تعبيرًا عن حاجة المجتمع إلى إطار علمي جامع يلتقي فيه العلماء، وتتآزر فيه الجهود، وتتوحد فيه الكلمة، ليكون منبرًا للعلم والدعوة، وجسرًا يصل العلماء بالمجتمع، ويجعل من المعرفة الشرعية رسالةً حيةً في واقع الناس.
ومنذ انطلاقته، حمل الاتحاد رسالة تتجاوز حدود العمل المؤسسي إلى بناء الإنسان وإصلاح المجتمع؛ فكان يسعى إلى ترسيخ حضور العلم الشرعي في حياة الناس، وربط العلم بالمسؤولية، والدعوة بالأخلاق، والعبادة بالإصلاح، والانتماء الديني بالوفاء للوطن والمجتمع، وقد ظل المنهج العلمي المعتدل، والحوار الحكيم، وروح الأخوة والتعاون، من المعاني التي تمنح هذه المسيرة قيمتها وعمقها، بما يعزز وحدة المجتمع، ويحفظ مكانة العلماء، ويفتح أمام الأجيال طريقًا يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثوابت الدينية والمصلحة الوطنية.
إن تاريخ الاتحاد، في جوهره، هو جزء من تاريخ علماء كردستان ورجالها المخلصين الذين آمنوا بأن العلم لا تكتمل رسالته إلا حين يتحول إلى وعيٍ وبناء، وأن الدين حين يحمل بأخلاقه ورحمته ووطنِيته يصبح قوةً جامعةً تحفظ المجتمع وتصون كرامة الإنسان.
ومنذ تأسيسه، لم يكن الاتحاد كيانًا إداريًا فحسب، بل كان تعبيرًا عن حاجة الأمة إلى مرجعية علمية تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتداوي الجراح ولا تزيدها، وتفتح أبواب الحوار بدل أن تغلقها، وترد الناس إلى أصول الدين ومقاصده الكبرى: التوحيد، والرحمة، والعدل، والأمانة، وصيانة الكرامة، وحفظ الحقوق، وإصلاح ذات البين.
لقد كان علماء الدين، عبر تاريخ كردستان، جزءًا أصيلًا من وجدان المجتمع وضميره؛ عاشوا بين الناس، وشاركوا في أفراحهم وأتراحهم، ووقفوا إلى جانبهم في المحن والمنعطفات، وفتحوا أبواب المساجد والمدارس والتكايا للعلم والذكر والتربية والإغاثة والمواساة، ولم يكن العالم الرباني بعيدًا عن قضايا الناس، بل كان صوتًا للحق، وضميرًا للأمة، وملاذًا للمحتاج، ونصيرًا للمظلوم، ومرشدًا للحائر، وجسرًا يصل القلوب حين تتباعد.
إن قيمة العلم لا تظهر في كثرة المعلومات وحدها، وإنما تظهر حين يتحول العلم إلى خشية، والخشية إلى أخلاق، والأخلاق إلى عمل، والعمل إلى نفع عام، فالعالم الذي يحمل ميراث النبوة لا يحمل المعرفة فقط، بل يحمل مسؤولية الكلمة، وأمانة التوجيه، وواجب الإصلاح، وحفظ السلم الاجتماعي، ورعاية الضعفاء، وتربية الأجيال على الصدق والرحمة والانضباط واحترام الإنسان.
ومن هنا، فإن رسالة اتحاد علماء الدين الإسلامي في كردستان تتجاوز حدود الوعظ المناسباتي إلى بناء الإنسان؛ الإنسان المؤمن بربه، المعتز بدينه، المتوازن في فهمه، الراشد في سلوكه، المحب لوطنه، الحريص على مجتمعه، القادر على الحوار، الرافض للتعصب والكراهية، المتمسك بالثوابت، الواعي بمتغيرات العصر، والمستعد لتحمل مسؤولياته في الحياة.
إن التربية الإسلامية التي نحتاج إليها اليوم ليست تربيةً على الانغلاق أو الخصومة، بل تربية على الإيمان الواعي، والخلق الكريم، واحترام التنوع، وقبول الاختلاف المنضبط، ونبذ العنف، وصيانة اللسان، وحفظ الدماء والأعراض والأموال، وتعظيم قيمة الإنسان، وربط صلاح الفرد بصلاح الأسرة والمجتمع والوطن.
وإن من أعظم واجبات العلماء في هذا العصر أن يحموا عقول الشباب من الغلو والانحراف، وأن يفتحوا أمامهم أبواب الأمل والعمل، وأن يربطوا التدين بالمسؤولية، والالتزام بالرحمة، والغيرة على الدين بالحكمة والبصيرة، وأن يقدموا لهم خطابًا علميًا رصينًا يجيب عن أسئلتهم، ويعالج قلقهم، ويحصنهم من الأفكار الهدامة، ويمنحهم القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين النصيحة والتشهير، وبين الغيرة الصادقة والتعصب الأعمى.
كما أن من واجب المؤسسات العلمية والدعوية أن تعتني بالمرأة والأسرة والطفولة، وأن تسهم في بناء بيت مسلم تسوده المودة والرحمة، وأن تعالج ظواهر التفكك والعنف الأسري والقطيعة الاجتماعية، وأن تؤكد أن الأسرة هي المدرسة الأولى للأخلاق، وأن صلاح المجتمع يبدأ من صلاح البيوت، وأن تربية الأبناء ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين البيت والمدرسة والمسجد والمؤسسة العلمية والمجتمع كله.
وفي هذه الذكرى، نؤكد أن اختلاف الاجتهادات لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة، وأن تنوع الآراء لا يبرر إسقاط الأخوة، وأن تعدد المدارس والمناهج لا يجوز أن يكون سببًا للقطيعة أو التنازع، فالاختلاف إذا انضبط بالعلم والأدب كان ثراءً، وإذا تحرر من الهوى كان رحمة، وإذا بقي داخل دائرة الأصول والمشتركات لم يمنع التعاون على البر والتقوى.
إن العلماء ورثة الأنبياء، ومن مقتضى هذه الوراثة أن يكونوا أوسع صدرًا، وألين جانبًا، وأبعد عن التسرع، وأشد حرصًا على جمع الكلمة، فليس العالم من ينتصر لنفسه في كل خلاف، ولا من يجعل منبره ساحة لتصفية الحسابات، ولا من يرفع صوته حيث يحتاج الناس إلى الحكمة، وإنما العالم من يدل الناس على الله بأخلاقه قبل كلامه، ويجمعهم على الخير، ويعلمهم أدب الاختلاف، ويطفئ نار الفتنة، ويقدم مصلحة الأمة على حظوظ النفس.
إن كردستان، بأرضها وشعبها وتاريخها وعلمائها، تستحق خطابًا دينيًا يليق بكرامتها وتضحياتها، خطابًا يرسخ الأخوة، ويحفظ التعايش، ويصون السلم الأهلي، ويعزز احترام القانون، ويشجع على العمل والإنتاج، ويغرس في النفوس معنى المواطنة الصالحة، ويؤكد أن حب الوطن ليس شعارًا عابرًا، بل أمانة ومسؤولية وخدمة وتضحية.
والوطن في المنظور الأخلاقي ليس مجرد أرض نقيم عليها، بل هو ذاكرة وهوية وحقوق وواجبات ومصير مشترك، ومن الوفاء للوطن أن نحفظ أمنه، ونصون وحدته، ونحترم مؤسساته، ونحمي أبناءه من الفتن، ونربي أجياله على التعاون، ونرفض كل خطاب يزرع الكراهية أو يهدد السلم أو يحول الاختلاف إلى صراع.
وإن خدمة الوطن لا تتعارض مع خدمة الدين، بل إن الدين الصحيح يدعو إلى عمارة الأرض، وإتقان العمل، وأداء الأمانة، واحترام الحقوق، ونصرة المظلوم، وإغاثة المحتاج، والوقوف مع المجتمع في أزماته، وبناء مستقبل أفضل للأجيال، فالمواطن الصالح هو الذي يعبد الله بصدق، ويعامل الناس بأمانة، ويؤدي واجبه بإخلاص، ويحفظ لسانه ويده، ويكون عنصر أمن وإصلاح لا عنصر اضطراب وإفساد.
وفي هذه المناسبة، نحيي جهود العلماء والمشايخ الذين سبقوا، ونترحم على من رحل منهم، ونقدر ما قدموه من علم وتربية وإرشاد وخدمة، ونؤكد أن الوفاء لهم لا يكون بذكر أسمائهم فقط، بل بحفظ منهجهم في العلم والاعتدال، واستكمال رسالتهم، وتوريث الأجيال قيمهم، وتحويل سيرتهم إلى عمل حي في واقع الناس.
كما نوجه تحية تقدير إلى كل من يعمل في ميادين التعليم والدعوة والإرشاد، وإلى أئمة المساجد والخطباء والمدرسين وطلبة العلم، وإلى كل من يسهم في نشر المعرفة وإصلاح المجتمع، مؤكدين أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تكامل الجهود، وتبادل الخبرات، وتطوير الخطاب، والعناية بالتأهيل العلمي والتربوي، والاستفادة من الوسائل الحديثة في نشر الوعي، مع المحافظة على أصالة الرسالة وعمقها.
إن الاتحاد أمام مسؤولية كبيرة في مواصلة بناء مؤسسة علمية رصينة، قادرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين ثوابت الشريعة ومتطلبات الواقع، وبين قوة الدليل وحسن الخطاب، وبين وضوح الموقف وسعة الصدر، وهو مطالب بأن يكون بيتًا جامعًا للعلماء، ومجالًا للتشاور، ومدرسةً في العمل المؤسسي، ومنبرًا للتنسيق، ومركزًا لإنتاج المعرفة، وميدانًا لخدمة المجتمع.
وإن من أهم ما تحتاج إليه المرحلة ترسيخ ثقافة العمل الجماعي؛ فالمشروعات الكبرى لا تنهض بالجهود الفردية وحدها، والرسائل العظيمة لا تؤدى بالارتجال، والمؤسسات لا تقوى إلا بالتعاون والشفافية والانضباط وتوزيع المسؤوليات واحترام التخصص، وكلما اجتمعت القلوب، وتكاملت الطاقات، وتقدمت المصلحة العامة، كان أثر العلم أعمق، وحضور العلماء أقوى، وثقة المجتمع بهم أكبر.
إن الأمانة التي حملها الاتحاد طوال هذه العقود ليست أمانة الماضي وحده، بل هي أمانة الحاضر والمستقبل؛ أمانة الدين، وأمانة العلم، وأمانة الكلمة، وأمانة المجتمع، وأمانة الوطن، وأمانة الأجيال القادمة، ومن حق هذه الأجيال علينا أن نورثها علمًا نافعًا، وفكرًا راشدًا، وأخلاقًا رفيعة، ووحدةً صادقة، ووطنيةً مسؤولة، وروحًا إيمانيةً تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتفتح أبواب الأمل والعمل.
فيا علماء كردستان ومشايخها وأساتذتها وطلبة علمها، إن الناس ينظرون إليكم لا بوصفكم أصحاب منابر فحسب، بل بوصفكم أمناء على الوعي والضمير، وحراسًا للقيم، ومربين للأجيال، وصناعًا للسلم، وشركاء في بناء المستقبل، فكونوا عند حسن الظن، واجعلوا من اختلافكم أدبًا، ومن علمكم رحمة، ومن حضوركم إصلاحًا، ومن منابركم جسورًا للمحبة، ومن مؤسساتكم بيوتًا للعلم والوحدة.
ويا أبناء المجتمع، إن احترام العلماء لا يعني تعطيل العقل، كما أن النقد لا يعني الإساءة، والاختلاف لا يعني القطيعة، فليكن الحوار بيننا قائمًا على الأدب، والبحث عن الحقيقة، وحسن الظن، والرجوع إلى أهل الاختصاص، والابتعاد عن الشائعات والتشهير والتسرع في الأحكام، ولنتذكر أن الكلمة أمانة، وأنها قد تبني بيتًا أو تهدمه، وتصلح قلبًا أو تفسده، وتجمع أمة أو تفرقها.
وفي هذه الذكرى المجيدة، نجدد عهد الأخوة والمحبة، ونمد أيدينا إلى إخواننا العلماء والمشايخ في كل مكان، مؤكدين أن ما يجمعنا أكبر مما يفرقنا، وأن كلمة التوحيد تجمعنا، وأن الأخوة في الله أسمى من كل خلاف، وأن خدمة الدين والمجتمع والوطن مسؤولية نتشارك فيها جميعًا.
ونؤكد أن وحدة العلماء ليست ترفًا ولا شعارًا موسميًا، بل ضرورة شرعية واجتماعية ووطنية؛ بها تحفظ هيبة العلم، وتصان مكانة العلماء، وتسد أبواب الفتنة، وتطمئن القلوب، وتستقيم مسيرة الدعوة، والوحدة التي ننشدها ليست إلغاءً للتنوع، ولا مصادرةً للاجتهاد، وإنما هي وحدة في الأصول، ووحدة في المقاصد، ووحدة في الأخلاق، ووحدة في الحرص على مصلحة الناس والوطن.
نسأل الله تعالى أن يحفظ علماءنا ومشايخنا، وأن يرحم من سبق منهم، وأن يبارك في جهود اتحاد علماء الدين الإسلامي في كردستان، ويوفق قيادته وأعضاءه وفروعه إلى مزيد من الخير والعطاء، وأن يجمع القلوب على المحبة، والكلمة على الحكمة، والجهود على الإصلاح، وأن يجعل الاتحاد حصنًا للعلم، ومنارةً للهداية، وبيتًا للأخوة، وصوتًا للحق، ويدًا تمتد إلى كل محتاج.
ونسأله سبحانه أن يحفظ كردستان وأهلها، وأن يديم عليها الأمن والسلام والاستقرار، وأن يصون وحدتها وتعايشها، وأن يوفق أبناءها إلى ما فيه خير الدين والدنيا، وأن يفتح أمام شبابها أبواب العلم والعمل، وأن يحفظ أسرها، ويرحم شهداءها، ويشفي مرضاها، ويفرج كرب المكروبين، ويجمع أهلها على الخير والكرامة والمستقبل الآمن.
كل عام واتحاد علماء الدين الإسلامي في كردستان، وأعضاؤه وعلماؤه ومشايخه وطلبة العلم فيه، بخير وعطاء وثبات، وكل عام ورسالة العلم والإصلاح أرسخ، وأواصر الأخوة والمحبة أقوى، وخدمة الدين والوطن والمجتمع أوسع وأعمق.
نسأل الله أن يبارك في الماضي، ويصلح الحاضر، ويحفظ المستقبل، وأن يجعلنا جميعًا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، دعاةً إلى الوحدة، وأنصارًا للحق، وخدامًا للعلم، وأمناء على الدين والوطن، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، والبصيرة في الموقف، والحكمة في الدعوة، والرحمة في التعامل.
والله من وراء القصد، وهو يهدي إلى سواء السبيل.
أخوكم:
د. دحام إبراهيم الهسنياني
عضو اتحاد علماء الدين الإسلامي ــ فرع الموصل
دهوك ــ كردستان العراق
10 ربيع الآخر 1448هـ
الموافق 21 أيلول 2026م




