قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: 43].
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، أما بعد:
عُرض على المجلس الأعلى للإفتاء سؤالٌ بشأن حكم ضمان السلع لمدة محددة، وهو الضمان الذي يقدّمه البائع للمشتري في الوقت الحاضر عند بيع السلع الكهربائية أو السيارات ونحوها، ناقش المجلس المسألة في جلسته الاعتيادية المنعقدة بتاريخ 25 محرم 1448هـ، الموافق 10/7/2026م، وبعد التداول في الموضوع والرجوع إلى النصوص الشرعية والمقاصد العليا للشريعة، أصدر الفتوى الآتية:
أولًا: حكم ضمان السلع المبيعة لمدة محددة
إن ضمان السلعة المبيعة، أيًّا كان نوعها، جائز شرعًا إذا كان من الأعراف التجارية المتعارف عليها في الوقت الحاضر؛ لأن مثل هذه الشروط، إذا أصبحت عرفًا تجاريًا مستقرًّا وجرى تعامل الناس بها على وجه العموم، فإنها تكون جائزة في المذهب الحنفي، ويلتزم بها كلٌّ من البائع والمشتري، وقد قال الإمام ابن نجيم الحنفي:
( كل شرط لا يقتضيه العقد، ولا يلائمه، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين أو للمعقود عليه، وهو من أهل الاستحقاق، ولم يجر العرف به، ولم يرد الشرع بجوازه، فلا بد في كون الشرط مفسدًا للبيع… وإن كان متعارفًا كشراء النعل على أن يحذوها البائع أو يشركها فهو جائز) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم 6/920.
ثانيًا: تخريج ضمان السلع على المذهب الشافعي
يمكن تخريج هذا النوع من الضمان على المذهب الشافعي، باعتبار أن هذه الشروط تدخل في باب الصلح على الرجوع بسبب عيبٍ كان موجودًا قبل قبض السلعة من البائع، وهذا جائز، بل إن للمشتري حق الخيار عند ظهور عيب قديم في السلعة، حتى من دون وجود ضمان خاص، كما ورد في كتب الفقه الشافعي، قال الإمام النووي:للمشتري الخيار بظهور عيب قديم… سواء قارن العقد أم حدث قبل القبض، ولو حدث بعده فلا خيار إلا أن يستند إلى سبب متقدم).انظر: منهاج الطالبين للإمام النووي، مع شرحه مغني المحتاج، 2/520.
ثالثًا: اعتبار الضمان وعدًا من البائع
يمكن أيضًا اعتبار هذا الضمان وعدًا من البائع للمشتري بإصلاح السلعة أو استبدالها عند ظهور العيب، والوفاء بالوعود في المعاملات واجبٌ شرعًا، قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ سورة المائدة:1، كما أن هذا الشرط يُعدّ من الشروط الجعلية التي يجب الالتزام بها، ولا سيما عند الحنابلة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:المسلمون عند شروطهم فيما أُحلّ، رواه الطبراني.
كذلك صدر قرار رقم (6/11) من مجمع الفقه الإسلامي قراراً يجيز هذا النوع من الضمان.
رابعًا: شروط جواز ضمان السلع
إن العمل بهذا الضمان جائز شرعًا، بشرط مراعاة الضوابط الآتية:
- أن يكون الضمان تابعًا لعقد البيع، لا مستقلًّا عنه من حيث الثمن، فلا يجوز أن يقول البائع: أبيعك ضمان هذه السلعة بمبلغ معين، أو أن يبيع السلعة بسعر من دون ضمان وبسعر آخر مع الضمان؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى الغرر والجهالة والقمار.
- أن تكون شروط الضمان واضحة ومحددة للطرفين، البائع والمشتري، ويجب بيان نطاق الضمان ومداه، وما يشمله من إصلاح أو استبدال، والمدة المحددة للإصلاح أو الاستبدال عند ظهور العيوب.
- ألا يتسبب المشتري عمدًا في إحداث العيب في السلعة، وألا يكون العيب ناتجًا عن إهماله في حفظها أو استعمالها، فلا يشمل الضمان العيوب التي يتسبب فيها المشتري عمدًا أو نتيجة تقصيره وإهماله.
- عند ظهور عيب في السلعة، يجب على المشتري التوقف عن استعمالها وإعادتها إلى البائع في أسرع وقت ممكن.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله و صحبه أجمعين
اتّحاد علماء الدّين الإسلامي في كوردستان
المجلس الأعلى للإفتاء
25 محرم 1448هـ، الموافق 10/7/2026م،




