احتل العلم والتعليم منزلة رفيعة في الحضارة الإسلامية، وكانا من أبرز الوسائل التي حفظت الدين، وصانت اللغة، وأسهمت في بناء الإنسان والمجتمع، وقد أدرك المسلمون منذ فجر الإسلام أن العلم أساس الفهم الصحيح، وطريق العبادة على بصيرة، وأن استمرار المعرفة لا يتحقق إلا بالتعليم والتربية وتوارث الخبرة بين الأجيال، وفي كُردستان، تبلورت هذه العناية في مؤسسات علمية عريقة عُرفت باسم (الحُجَر)، وهي غرف أو مجموعات من الغرف أُنشئت بجوار المساجد أو في محيطها، واتخذها العلماء مجالس لتدريس العلوم الإسلامية والعربية والعقلية، وتربية الطلاب وإعدادهم للإمامة والخطابة والإفتاء والقضاء والتدريس، ولم تكن هذه المؤسسات مجرد أماكن لتلقي المعلومات، بل كانت منظومة تعليمية وتربوية متكاملة، امتزج فيها تحصيل العلم بتهذيب السلوك، واحترام العلماء، والمداومة على العبادة، والتأدب في مجالس المعرفة؛ فغدت، على امتداد قرون طويلة، من أهم دعائم الحياة العلمية والدينية في كُردستان، ومراكز أساسية لحفظ التراث الإسلامي ونقله إلى الأجيال اللاحقة.
ارتبط ظهور الحُجَر بطبيعة المجتمع الكُردي وبيئته الدينية والاجتماعية، وبالمكانة المركزية التي احتلها المسجد في حياة المسلمين؛ إذ لم يكن المسجد موضعًا للصلاة وحدها، وإنما كان مركزًا للقرآن والحديث والفقه والتربية والإرشاد، ومجالًا لاجتماع الناس وتوجيههم، ومن هذا الارتباط نشأت حلقات التعليم، واتسعت مع الزمن لتتخذ صورًا أكثر تنظيمًا، فظهرت الغرف المخصصة لإقامة الطلاب وتلقي الدروس، وأصبحت بعض المساجد والقرى والمدن الكُردية مقاصد لطلاب العلم من مناطق بعيدة، وقد تميزت الحُجَر بملازمة الطالب لشيخه، والتدرج في تحصيل العلوم، والاهتمام بحفظ المتون وفهمها، والمراجعة المستمرة، وإقامة الصلة الوثيقة بين المعرفة النظرية والتربية العملية، وكان الطالب يتلقى العلم في بيئة تتجاوز حدود الدرس إلى بناء الشخصية؛ فيتعلم التواضع والصبر والانضباط، ويكتسب آداب الحوار والمناظرة، ويعتاد احترام العلم وأهله، فإذا استكمل المراحل العلمية التي تؤهله، وأثبت تمكنه من الفنون التي درسها، منحه شيخه الإجازة العلمية، وهي شهادة على بلوغه مستوى يؤهله للتدريس أو الإمامة أو الإفتاء، بحسب علمه وكفايته ومكانته.
ولا يمكن تحديد تاريخ دقيق لنشأة الحُجَر بصورتها المؤسسية المعروفة؛ فقد تعددت الآراء في تحديد بداياتها، بين من يربط أصل التعليم الديني بدخول الإسلام إلى كُردستان في صدر الإسلام، ومن يرى أن المدارس المنظمة ظهرت في عصور لاحقة، ولا سيما في العصر العباسي المتأخر، والأقرب إلى التفسير التاريخي أن هذين الاتجاهين لا يتعارضان بالضرورة؛ لأن أصل التعليم الإسلامي ارتبط بالمسجد منذ عهد النبي r، ثم تطورت مؤسساته وطرائقه تدريجيًا بحسب اتساع المجتمعات الإسلامية وتنوع العلوم وازدياد أعداد الطلاب، وقد أسهمت الكتاتيب في هذه المسيرة بتعليم القرآن والقراءة والكتابة، ثم اتسعت وظائفها لتشمل مبادئ اللغة العربية والنحو والصرف، وتطورت حلقات العلم في المساجد إلى مؤسسات أكثر تخصصًا وتنظيمًا.
أما الحُجَر بصورتها المتكاملة، بما تتضمنه من مراحل دراسية وكتب مقررة وملازمة للشيخ وإجازة علمية، فقد نضجت عبر مراحل تاريخية متعاقبة، وتقدم أربيل مثالًا على تطور المؤسسات التعليمية المنظمة في القرن السادس الهجري، حين عُرفت فيها مدارس ارتبطت بعلماء وأمراء اهتموا بالتدريس وبناء المساجد، ثم ازدهرت الحركة العلمية فيها في عهد الملك المظفر الدين كوكبري، وبذلك يمكن القول إن التعليم الديني في كُردستان امتد بجذوره إلى المراحل الأولى من انتشار الإسلام، بينما تبلور نظام الحُجَر وتطور وفق ظروف كل عصر وحاجاته العلمية والاجتماعية.
وقد اكتسبت الحُجَر أهميتها من الوظائف المتعددة التي أدتها؛ فقد حفظت العلوم الشرعية واللغوية والعقلية، وأسهمت في تخريج العلماء والفقهاء والمدرسين والأئمة والمفتين، كما أدت دورًا إصلاحيًا في المجتمع، إذ كان العالم فيها معلمًا ومربيًا وإمامًا وخطيبًا ومرشدًا، يرجع إليه الناس في عباداتهم ومعاملاتهم وشؤونهم الأخلاقية والاجتماعية، ولم يقتصر أثر هذه المدارس على القرى والمدن التي قامت فيها، بل امتد إلى العراق وسائر المراكز العلمية في العالم الإسلامي؛ فقد انتقل خريجوها إلى بغداد والموصل والبصرة وغيرها، وأسهموا في التدريس والتأليف والإفتاء والقضاء، وأصبح بعضهم مراجع علمية ذات أثر واسع، وتكشف سير علماء كُردستان عن شبكة من الصلات العلمية ربطت الحُجَر بالمراكز الإسلامية الكبرى، من خلال الرحلات ولقاء الشيوخ وتبادل الإجازات وانتقال الكتب والمعارف، كما نشأت أسر علمية توارثت خدمة التدريس أجيالًا متعاقبة، ومن أمثلتها أسرة الملا إبراهيم البياري وأسرة الحيدريين، فضلًا عن أسر أخرى حافظت على تقاليد التعليم الديني وأسهمت في استمرارها.
ومن العلماء الذين ارتبطت أسماؤهم بهذا التراث: صبغة الله الحيدري، وعبد الله البيتوشي، وجرجيس الإربلي، وصبغة الله الزياري، ويحيى المزوري العمادي، والملا عبد الكريم المدرس؛ وهي نماذج تعكس اتساع أثر البيئة العلمية الكُردية وتجاوزها الحدود المحلية إلى فضاءات أرحب من المعرفة والتأثير.
أما المناهج الدراسية في الحُجَر، فقد اتسمت بالتدرج والتنوع، ولم تكن موحدة في جميع المناطق والعصور؛ إذ تأثرت باجتهادات الشيوخ، ومستويات الطلاب، وطبيعة المدارس، والحاجات العلمية السائدة، ومع ذلك، استقرت مجموعة من العلوم والكتب التي شكّلت الهيكل العام للتعليم، وكان للشيخ دور أساسي في اختيار المقررات وتنظيم مراحلها، بعيدًا عن نمط المناهج المركزية الموحدة الذي تعرفه المؤسسات التعليمية الحديثة، ويبدأ الطالب عادة بتعلم الحروف العربية والقراءة والكتابة، ثم قراءة القرآن الكريم وإتقان مبادئ اللغة، قبل الانتقال إلى علوم النحو والصرف وغيرها من الفنون التي تمكّنه من فهم النصوص، ومن الكتب المتداولة في المراحل الأولى في النحو: عوامل الجرجاني، وعوامل البركوي، والأنموذج، والإظهار، والصمدية، والجامي؛ وفي الصرف: تصريف الزنجاني، والبناء، والعزي، والمقصود، وتصريف الملا علي، وكان الطالب في هذه المرحلة يُعرف بـ(الفقي)، كما استُعمل لقب (سوخته)، وهو لفظ استعمل أول مرة في كُردستان إيران، يدل على الجد والاجتهاد في طلب العلم، وبعد إتقان الأساسيات، ينتقل إلى مرحلة أوسع تُعرف بمرحلة الاستعداد، فيدرس فنونًا أكثر تقدمًا، منها النحو والبلاغة والمنطق وآداب البحث والمناظرة والعقائد وأصول الفقه.
ومن الكتب التي عُرفت في هذه المرحلة شرح الألفية للسيوطي، وكتب الاستعارة والوضع، والإيساغوجي، وشرح الفناري، وشرح الشمسية، وحاشية عبد الله اليزدي، وشرح النظام، والعقائد النسفية، ومختصر المعاني، والمطول، وجمع الجوامع، وتهذيب الكلام، فإذا بلغ الطالب مرحلة متقدمة من التأهل العلمي، وأتم قدرًا معتبرًا من هذه العلوم، أمكن أن يحصل على الإجازة العلمية، ويُعرف عندئذ بالملا، ويكون مؤهلًا لممارسة وظائف التعليم والإمامة والخطابة والإفتاء في حدود ما حصّله من علم وخبرة.
واحتل الفقه الشافعي مكانة رئيسة في كثير من الحُجَر، نظرًا إلى رسوخ المذهب الشافعي في مناطق واسعة من كُردستان، وتدرج الطلاب في دراسته من المختصرات إلى المطولات، فقرأوا كتبًا مثل فتح القريب، وفتح المعين، وإعانة الطالبين، ومنهاج الطالبين للنووي، ومغني المحتاج للخطيب الشربيني، وتحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي، ونهاية المحتاج للرملي، وغيرها من المتون والشروح الفقهية، إلى جانب علم الفرائض الذي تمثله الرحبية، وكانت الكتب المتقدمة تُخصص غالبًا للمراحل النهائية، لما تتطلبه من رسوخ في الفقه وأصوله وقدرة على فهم العبارة العلمية الدقيقة، أما التفسير والحديث، فكان الانتقال إليهما يأتي عادة بعد تمكن الطالب من علوم العربية وآلات الفهم؛ لأن النحو والصرف والبلاغة أدوات أساسية لإدراك دلالات النصوص الشرعية، ومن كتب التفسير التي تداولتها الحُجَر تفسير الجلالين، وتفسير الخازن، وتفسير النسفي، وتفسير البيضاوي، الذي عُرف بما يشتمل عليه من مسائل لغوية وبلاغية وعقدية دقيقة.
وفي الحديث، درس الطلاب كتبًا مختارة ومختصرات، منها الأربعون النووية، ورياض الصالحين، وإرشاد العباد، والتاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول r، ولم تقتصر الثقافة العلمية في هذه المدارس على العلوم الشرعية واللغوية، بل شملت المنطق وعلم الكلام والحكمة، وفي بعض المراحل كتبًا في الفلك والرياضيات والأسطرلاب، مثل شرح المقاصد وشرح المواقف وشرح المطالع وتشريح الأفلاك وأشكال التأسيس وشرح الجغميني.
ويكشف هذا التنوع عن تصور للعلم يقوم على التدرج في اكتساب أدوات الفهم، وتوسيع الثقافة العقلية، وإن تفاوت الاهتمام بهذه العلوم من مدرسة إلى أخرى، وتراجع تدريس بعضها في العصور المتأخرة.
وامتازت طرائق التدريس في الحُجَر بتنوعها بحسب مستوى الطالب؛ ففي المرحلة الأولى يبدأ المعلم بتعريف الطالب الحروف والحركات والتنوين والمد والشدة والسكون، ثم يعلمه تركيب الحروف وقراءة الكلمات، وينتقل به إلى القرآن الكريم، غالبًا من السور القصيرة، وكان الشيخ يقرأ الآية أو المقطع، ويردد الطالب وراءه حتى يستقيم لسانه، ثم يقرأ بنفسه تحت إشراف معلمه الذي يصحح أخطاءه ويقوّم أداءه، وكان ختم القرآن مناسبة تربوية واجتماعية يشارك فيها الشيخ والطلاب وأهل الطالب، بما يعزز قيمة الإنجاز العلمي في المجتمع.
وبعد إتمام تلاوة القرآن وإتقانها، ينتقل الطالب إلى الكتب الصغيرة في النحو والصرف واللغة، وتعتمد الدراسة في هذه المرحلة على الإلقاء والسماع والحفظ والتكرار؛ فيحفظ الطالب الدرس، ثم يعرضه على الشيخ في اليوم التالي، ولا ينتقل إلى درس جديد إلا بعد إتقانه.
أما في المراحل المتقدمة، فتتخذ الدراسة طابعًا أعمق؛ إذ يطالع الشيخ والطالب الدرس قبل المجلس، ثم يقرأ النص ويُشرح شرحًا دقيقًا، مع الوقوف على المفردات والتراكيب والقواعد والمسائل التي تحتاج إلى تحرير، ويُتاح للطالب أن يسأل عما أشكل عليه، وأن يناقش شيخه، وقد تمتد المناقشة حتى تتضح المسألة وتُستوفى وجوهها، ومن ثم لم يكن التعليم في الحُجَر قائمًا على الحفظ والتلقين وحدهما، بل جمع بين الحفظ والفهم والتحليل والمناقشة والمناظرة، مع عناية واضحة بآداب مجلس العلم، والإنصات، والتوقير، واحترام الشيخ، وضبط النفس في الحوار، وكانت العلاقة بين المعلم والطالب علاقة علمية وتربوية ممتدة، لا تنتهي بانتهاء الدرس، بل تتشكل بالملازمة والاقتداء، وهو ما أسهم في بناء شخصية تجمع بين التحصيل العلمي والسلوك الأخلاقي.
وعند المقارنة بين الحُجَر والمدارس الأكاديمية الحديثة، ينبغي مراعاة اختلاف البيئات التاريخية والأهداف والإمكانات، وتجنب إطلاق الأحكام العامة التي تجعل أحد النظامين أفضل من الآخر في جميع المجالات، فقد أولت الحُجَر عناية كبيرة بقراءة النصوص قراءة دقيقة، وشرح الألفاظ والتراكيب، وربط المعنى بالإعراب والدلالة، كما اعتمدت في كثير من مراحلها على كتاب محدد يدرسه الشيخ والطالب دراسة متأنية.
وتميزت بمرونة الوقت؛ إذ يستمر الدرس حتى يتحقق الفهم، ولا ينتقل الطالب من كتاب إلى آخر لمجرد انتهاء مدة زمنية مقررة، بل بحسب قدرته واستيعابه، وكان الحفظ والمراجعة والتدرج في العلوم من ركائزها الأساسية، كما قامت على صلة مباشرة بين الشيخ والطالب، تجعل المعلم قدوة علمية وأخلاقية، وتمنح العملية التعليمية بعدًا تربويًا يتجاوز نقل المعلومات، وفي المقابل، تمتاز المؤسسات الأكاديمية الحديثة بتنظيم الخطط الدراسية، وتعدد المقررات والمراجع، وتحديد المدد الدراسية، وتوفير أدوات البحث العلمي ومناهجه، وتعليم كتابة البحوث والرسائل العلمية والتوثيق والتحليل وفق إجراءات مؤسسية واضحة، وقد لا تمنح الحُجَر هذه المهارات الأخيرة التنظيم نفسه الذي توفره الجامعات المعاصرة، كما أن مرونة نظامها وتنوع مناهجها بحسب الشيوخ والمناطق قد يقابلهما تفاوت في مستوى التعليم، ومع ذلك، فإن ما امتازت به من ملازمة وتدرج وإتقان للمتون وتكوين أخلاقي يظل جديرًا بالدراسة والاستفادة، كما أن ما تتميز به الجامعات من أدوات بحثية وتنظيم مؤسسي يتيح إمكان تطوير التعليم والاستفادة من مناهجه الحديثة.
وخلاصة القول إن المدارس الدينية الكُردية (الحُجَر) تمثل صفحة مهمة من تاريخ التعليم الإسلامي في كُردستان، ونموذجًا لمؤسسات استطاعت، بإمكاناتها المتاحة، أن تحفظ العلوم وتنقلها، وتكوّن العلماء، وتربط المعرفة بالتربية والإصلاح الاجتماعي، وقد امتد أثرها من المساجد والقرى الكُردية إلى المدن العراقية والعربية والمراكز العلمية في العالم الإسلامي، وأسهم علماؤها في التدريس والإفتاء والقضاء والتأليف والإرشاد، كما حافظت الأسر العلمية والرحلات والإجازات على استمرار الصلات بين الأجيال والمراكز العلمية.
ومع توقف بعض الحُجَر عن أداء وظائفها القديمة، وتعرض جانب من مخطوطاتها وتراثها الشفهي لخطر الضياع، تبرز ضرورة توثيق تاريخها، وجمع آثار علمائها، وتحقيق مخطوطاتهم، ودراسة مناهجها وطرائقها التربوية دراسة علمية متوازنة، إن إحياء هذا التراث لا يعني استعادة الماضي بصورته الحرفية، بل فهم التجربة التاريخية، واستخلاص عناصر قوتها، والإفادة من عنايتها بالإتقان والملازمة والتدرج والتربية، مع الجمع بينها وبين منجزات التعليم الحديث ومناهجه البحثية.
وبذلك تبقى الحُجَر شاهدًا على أن نهضة الأمم لا تقوم بالمعرفة وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات تحملها، ومعلمين يخلصون في تبليغها، وأجيال تتلقاها حفظًا وفهمًا وعملًا، ثم تنقلها إلى من يأتي بعدها.
المصادر المعتمدة للمقالة
إحياء تاريخ العلماء الأكراد من خلال مخطوطاتهم، محمد علي قرة داغي.
تاريخ التربية والتعليم في مدارس “حُجَر” كُردستان، حمه كريم الهورامي.
علماء ومدارس في أربيل، زبير بلال إسماعيل.
علماؤنا في خدمة العلم والدين، الملا عبد الكريم المدرس.
مراكز ثقافية مغمورة في كُردستان، عماد عبد السلام رؤوف.




