عرضنا على مدار حلقات هذه السلسلة قضية الأسرة من جوانبها المتعددة، بدايةً من ضرورة الحوار وإدارة الاختلاف بين أطرافها، وصولًا إلى تحقيق الأمان النفسي في عصرٍ لم تعد خصوصية الأسرة فيه مسألةً تتعلق بمجرد إغلاق الباب على أهل البيت، أو بحفظ سرٍّ لا ينبغي أن يتجاوز جدرانه؛ فقد تغيَّر معنى الخصوصية مع تغيُّر ثقافة العصر وقيمه، وأصبحت أسرار البيوت قابلةً للعرض على المشاع: صورةٌ تُلتقط في لحظة عابرة، أو تسجيلٌ لمحادثة، أو مشهدٌ من خلاف عائلي، قد يغادر البيت بضغطة زر إلى فضاء مفتوح، فلا نملك أن نعرف من شاهده، أو كيف أُعيد استخدامه.
لقد تجاوزنا سؤال الخصوصية الأخلاقي،هل يجوز أن نشارك هذه التفاصيل؟ إلى سؤال آخر تفرضه حرية النشر المنفلتة من القيم: هل يحق لنا أن ننشر كل ما نستطيع نشره، وماذا يتبقى من خصوصيتنا إذا أصبحنا نحن أنفسنا مادةً قابلةً للعرض والاستهلاك، هذه ليست أسئلة هامشية؛ فالبيت هو المجال الذي يأمن فيه الإنسان من التقييم، ويمارس حقه في الصواب والخطأ دون أن يتحول خطؤه إلى مادة للتداول، ويختلف أفراده دون أن يتحول خلافهم إلى قضية عامة تلوكها الألسنة، وتصبح أعراض الأسرة وخصوصياتها مادةً تقتحمها العيون.
وقد أقام الشرع الشريف -اخي القارئ الكريم- للبيت حرمةً لا تنحصر في جدرانه وأبوابه، وإنما تمتد إلى أسرار أهله وأعراضهم وخصوصية علاقاتهم؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 27]. فالاستئذان في ظاهره تنظيم للدخول إلى المكان، لكنه في معناه الأوسع إقرار بحرمة المجال الخاص، واحترام لحق الإنسان في أن تكون له مساحة لا تُقتحم بغير إذنه، ولعل أكثر ما يكشف خطورة غياب هذه الحدود ما يحدث في الخلافات الزوجية؛ فالخلاف في ذاته قد يكون عارضًا يمكن احتواؤه، وقد يكون بابًا للمراجعة والتصحيح، لكن حين ينتقل إلى المنصات العامة تتغير طبيعته؛ فبدلًا من أن ينشغل الزوجان بالسؤال: كيف نعالج ما بيننا؟ يصبح كل طرف منشغلًا بإثبات روايته وكسب تعاطف الآخرين. وعندئذٍ لا يعود الخلاف بين شخصين، بل يصبح محاطًا بجمهور وتفسيرات وأحكام، وقد تتحول لحظة غضب إلى صورة دائمة تلاحق أصحابها بعد أن تنتهي المشكلة.
والأخطر من ذلك أن بعض ما يجري بين الزوجين ليس مما يليق أن يعرفه أحد؛ لأن الحياة الزوجية تقوم على قدر من الائتمان المتبادل، وقد نهى النبي ﷺ عن إفشاء أسرارها، فقال: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا». وليست المشكلة في أن يطلب الإنسان المشورة، وإنما في أن تتحول المشورة إلى كشف، وطلب الإصلاح إلى استعراض، وأن يصبح الجمهور طرفًا في علاقة لم يكن طرفًا فيها أصلًا، وهنا ينبغي التمييز بين الاستعانة بالآخرين وبين إشراك الآخرين في الحياة الخاصة. فقد يحتاج الزوجان إلى مفتٍ يبيِّن الحكم الشرعي، أو مستشار أسري يساعدهما على تجاوز الخلاف، وربما اقتضت بعض الحالات تدخلًا قانونيًّا، وكل ذلك من أبواب الأخذ بالأسباب. لكن المقصود من الاستعانة بأهل الخبرة أن تعود الأسرة إلى امتلاك قرارها، لا أن تفقد قدرتها على اتخاذه؛ فالخبرة ينبغي أن تكون جسرًا إلى الإصلاح، لا بديلًا عن أصحاب العلاقة، ثم يأتي الأبناء ليضعوا على عاتق الأسرة مسؤولية دقيقة؛ فالطفل الذي لا يستطيع اليوم أن يختار صورته أمام الناس، قد يجد غدًا أن تفاصيل طفولته وصوره ومواقفه أصبحت جزءًا من فضائه الرقمي دون أن يكون قد اختار ذلك. وقد يكون نشر الوالدين لصورة الابن أو موقفه بدافع الفرح أو المحبة، لكن حسن النية لا يلغي حق الطفل في الخصوصية، ولا يحول الأمانة الأبوية إلى ملكية لشخصيته. إن الأبناء أمانة في أعناق الآباء، تقتضي مراعاة حقهم في حاضرهم ومستقبلهم أيضًا، غير أن الخطر لا يأتي دائمًا من نشر تفاصيل الأسرة؛ فقد يدخل الانكشاف من باب آخر أكثر خفاءً، هو المقارنة. فالمنصات تعرض للناس حياة الآخرين في صورتها الأكثر انتقاءً: رحلة جميلة، وأسرة مبتسمة، ونجاح متتابع، واحتفال لا تشوبه لحظة اضطراب. ومع تكرار المشاهدة قد تقارن الأسرة حياتها اليومية، بما فيها من تعب واختلاف ومسؤوليات، بصورة مثالية منتقاة من حياة غيرها، فيتسلل إليها عدم الرضا، وهو معول يهدم السعادة الفردية والأسرية معًا، على أن مواجهة الانكشاف الرقمي لا تكون بالانغلاق عن العالم، ولا برفض وسائل التواصل، وإنما بإعادة الاعتبار إلى معنى الحدود؛ فليست كل مشاركة تواصلًا، وليست كل صورة ذكرى، وليست كل لحظة جميلة بحاجة إلى جمهور.
وهنا تتجلى حكمة الشريعة -أخي القارئ- في صيانة الخصوصية؛ فالستر ليس دعوة إلى إخفاء الحياة، وإنما حماية لما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش. وحفظ العِرض لا يقتصر على منع الاعتداء المباشر، بل يشمل صيانة الإنسان من أن تتحول خصوصياته إلى مادة للتداول، وحفظ الأسرة لا يعني مجرد جمع أفرادها تحت سقف واحد، وإنما توفير البيئة التي يجدون فيها السكن والمودة والرحمة والأمان.




